الحلبي
171
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وما كنت دون امرئ منهم * ومن تضع اليوم لا يرفع فأعطاه صلى اللّه عليه وسلم تمام المائة . أي وفي رواية أنه قال : اقطعوا عني لسانه . وفي الكشاف أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : يا أبا بكر اقطع لسانه عني وأعطه مائة من الإبل ، هذا كلامه ، وحينئذ يتوقف في قولهم فظن ناس أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر أن يمثل به وفزع هو أيضا لذلك فأتي به إلى الغنائم ، وقيل له خذ منها كما شئت ، فقال : إنما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقطع لساني بالعطاء فكرة أن يأخذ منها شيئا ، فبعث إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحلة ، وفي رواية : « فأتم له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مائة » وروي بدل : فما كان حصن ولا حابس : فما كان بدر ولا حابس وهو صحيح أيضا ، لأن بدرا جد حصن أبو أبيه فانتسب تارة إلى أبيه حصن وتارة إلى جد أبيه بدر ، فإن عيينة بن حصن بي حذيفة بن بدر . ويروى بدل مرداس : شيخي بالإفراد يعني والده ، ويروى بالتثنية يعني والده وجده . وفي كلام بعضهم : كانت المؤلفة ثلاثة أصناف . صنف يتألفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليسلموا كصفوان بن أمية . وصنف ليثبت إسلامهم كأبي سفيان بن حرب . وصنف لدفع شرهم كعيينة بن حصن والعباس بن مرداس والأقرع بن حابس . لكن في رواية : « قيل يا رسول اللّه أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة . وتركت جعيل بن سراقة ؟ فقال : أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ، ولكني تألفتهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه » وتقدم أن جعيلا هذا كان من فقراء المسلمين ، وكان رجلا صالحا دميما قبيحا ، وهو الذي تصوّر الشيطان بصورته يوم أحد ، وقال إن محمدا قد مات ، وجاء : « إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن من الناس ناسا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان » وأعطى صفوان بن أمية ما تقدم ذكره وهو جميع ما في الشعب من غنم وإبل وبقر ، وكان مملوءا وكان ذلك سببا لإسلامه كما تقدم . أقول : في كلام ابن الجوزي رحمه اللّه : اعلم أن من المؤلفة قلوبهم أقواما تؤلفوا في بدء الاسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم ، فخرجوا بذلك عن حد المؤلفة ، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبارا ببداية أحوالهم ، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام ، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف . ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه ، وبين من لم يحسن إسلامه لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك ، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خبرا . وقد جاء عن أنس رضي اللّه عنه ، قال : « كان الرجل يأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسلم